فخر الدين الرازي
67
شرح عيون الحكمة
--> نسخ القرآن شريعة التوراة ، وورث المسلمون الأرض عوضا عنهم . يقول الامام فخر الدين الرازي في تفسيره ، في الآية 137 من الأعراف ما نصه : « اعلم : أن موسى - عليه السلام - كان قد ذكر لبنى إسرائيل قوله : « عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض » وهاهنا لما بين - تعالى - اهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة ، بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات ، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم . فقال : « وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها » والمراد من ذلك الاستضعاف : أنه كان يقتل أبناءهم ويستحيى نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستملهم في الأعمال الشاقة . واختلفوا في معنى شارق الأرض ومغاربها : فبعضهم حمله على مشارق أرض الشام ومصر ومغاربها . لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون - لعنه اللّه - وأيضا : قوله : « التي باركنا فيها » المراد : باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق . وذلك لا يليق الا بأرض الشام » أ . ه ونعلق على كلامه هنا : بأن ارث بني إسرائيل لأرض مصر هو ارث ثابت بنص القرآن . من قوله تعالى : « كذلك وأورثناها بني إسرائيل » في سورة الشعراء . وارثهم بعد ذلك لأرض الشام . ثابت بنص القرآن في دخول طالوت وداود للأرض المقدسة وهي أرض فلسطين وسائر بلاد الشام في سورة البقرة . وارثهم بعد ذلك لأرض اليمن ثابت بنص القرآن في مجىء ملكة سبأ واسلامها مع سليمان للّه رب العالمين وخضوعها لشريعة موسى معه في سورة النمل . وارثهم لأرض مكة وما حولها ثابت من قوله تعالى : « باركنا فيها » في سورة الأنبياء ومن قوله عن الكعبة « مباركا » في سورة آل عمران . وقد تخلى بنو إسرائيل عن ارث الأرض بالديانة من سبى بابل ، واكتفوا بإرث فلسطين للسكنى فيها . فالأرض المبارك فيها هي أرض الحجاز وفلسطين واليمن ومصر . ولها مشارق ومغارب . ولما نسخ اللّه شريعة موسى بالقرآن ، أصبح ارثهم لأي مكان إرثا غير شرعي ، وانما هو فتنة في الأرض وفساد كبير .